ازدراء النساء لا يبنى أمماً متحضرة - بوراق نيوز

ازدراء النساء لا يبنى أمماً متحضرة - بوراق نيوز
ازدراء النساء لا يبنى أمماً متحضرة - بوراق نيوز

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع بوراق نيوز نقدم لكم اليوم ازدراء النساء لا يبنى أمماً متحضرة - بوراق نيوز

«قضينا العُمر فى المخدع..

وجيش حريمُنا معنا.

وصكُ زواجنا معنا

وصكُ طلاقنا معنا..

وقُلنا الله قد شرع.

ليالينا موزعةٌ على زوجاتنا الأربع.

هُنا شفةٌ ٌ

هُنا ساق ٌ

هُنا ظفر ٌ

هُنا إصبع.

كأن الدين حانوت

فتحناه لكى نشبع.

تمتعنا بما أيماننا ملكت

وعشنا من غرائزنا بمستنقع

وزورنا كلام الله

بالشكل الذى ينفع.

ولم نخجل بما نصنع».

كانت هذه الأبيات بمثابة احتجاج شعرى لنزار قبانى على النظرة العامة للنساء فى عالمنا العربى. فللمرأة فى المجتمعات العربية وظيفتان محددتان الخدمة، والمُتعة، وخارجهما لا مجال لقيادة أو لعب دور محورى، سواء فى العلوم والآداب، أو حتى فى السياسة.

النساء مُهمشات فى الذاكرة الجمعية لأن العادات القبلية اعتبرتهن زوائد، وأدوات ثانوية لإسعاد الرجل. ولم يكن غريبا أن تتمدد هذه النظرة قرونا من الزمن، بفضل سوء تفسير النصوص الدينية سواء فى الإسلام والمسيحية لترسيخ ثانوية المرأة.

من هُنا انتشرت مقولات عديدة مقتطعة ومحورة ومزورة من عينة «خير النساء من لا تخرج من بيتها إلا إلى القبر»، و«المرأة باب كل فتنة»، و«أكثر أهل النار من النساء»، واقترن مصطلح «ناقصات عقل ودين» بهن كأنه قانون حتمى عام ومطلق.

وهكذا تكرست فكرة تهميش المرأة تحت تصور أن الدين قال ذلك، فاعتبر البعض أى دعوة لإشراكها فى الحياة العامة هى باب كل شر، وأصل كل فتنة، وذلك على الرغم من أن الشعوب العربية تعيش فى فتن وشرور طوال تاريخها.

وقطعاً، فقد كان نتاج ذلك قرون طويلة من انكار حق المرأة فى التعلم، وحقها فى العمل، وحقها فى الاختيار، وحقها فى إبداء أى رأى.

يحكى المستشرق الإنجليزى ستانلى بول، وقد زار مصر فى القرن الثامن عشر أنه سمع من أكثر من شخص مقولة شائعة فى مصر تقول « إذا أردت أن تفعل أمرا، فاستشر ثلاثة، فإن لم تجد فاستشر واحدا، وإن لم تجد اذهب إلى زوجتك وأسألها، ثم افعل عكس ما تُشير به» وهو ما يُدلل على اعتبار آراء النساء، كل الآراء وكل النساء خيارات خاطئة.

<<<

قبل أكثر من قرن وربع من الزمان أخرج قاضى شاب عمره خمس وثلاثين عاما، واسمه قاسم أمين كتابا باسم «تحرير المرأة» دعا فيه إلى تحسين أحوال النساء، لأنهن مسئولات عن تربية النشء، ومن ثم النهوض بالمجتمع ككل.

وقال الرجل: «إن المراة إنسان مثل الرجل، لا تختلف عنه فى الأعضاء ولا وظائفها، ولا فى الإحساس ولا فى الفكر ولا فى كل ما تقتضيه حقيقة الإنسان، من حيث هو إنسان «.

وقامت القيامة ضد الرجل. غضب الخديو عباس الثانى عليه وأصدر قرارا بمنعهمن دخول قصر عابدين. وشنعت عليه الصحف، واتهمته بالعمالة واختلقت بعضها حكايات عن فجوره وفسقه، وصدر أربعون كتابا للرد عليه، وكان من المؤسف أن بعض مَن حسبوا على الحركة الوطنية مثل مصطفى كامل، شنوا عليه حملات قاسية حولته إلى شخص منبوذ ومرفوض.

وفى يوم عاد الرجل إلى منزله ليجد غريبا ينتظره فصافحه فى ود، لكنه فوجئ به يقول له: «أنا عاوز الست بتاعتك» ثم واصل فى وقاحة: « عاوز اختلط بها، وتخرج معايا.ألست تدعو إلى سفور المرأة؟ أليس هذا كتابك؟». ورد قاسم أمين « نعم هذا كتابى..لكنك أسأت فهم أفكاري».

<<<

مرت سنون وسنون، تبدلت نُظم، وتغيرت ممالك، وولدت أفكار، ونُقضت عادات، ومازالت النظرة الغالبة إلى النساء تزدريها.

فارقوا العواصم، والمراكز، واذهبوا إلى الأطراف، الريف، والسواحل والصحارى ستجدون النساء مازلن فى القرن السابق، وربما الأسبق والأسبق، والسبب مزج الفكر الدينى بالبداوة الموروثة والعادات التليدة.

كان المد الأصولى الذى اجتاح عالمنا العربى فى أعقاب هزيمة يونيو يعيد استنساخ كل ما هو قروسطى ليُقيد المُجتمع ويُحكم سيطرته على البشر. تجددت فتاوى التنقب، والتخمر، ومنع الاختلاط، وصارت عبارة «الحجاب فريضة» و» الحجاب قبل الحساب» طابع دمغة مطبوع فى كل مكان، باعتباره غاية الدين.

وأعيد الرواج للكتب الدينية الخاصة بفتاوى إزدراء النساء فأعيد الاعتبار لكلام بدوى لا يمت بالدين بصلة. ومن ذلك مثلا كتاب « الفقه على المذاهب الأربعة» وهو من الكتب الرائجة، الذى يقول فى فتوى تخص علاقة الرجل بزوجته إن الزوج ليس عليه تحمل أجر طبيب أو نفقة علاج لزوجته حال مرضها لأن أصل العلاقة بينهما هى التلذذ وهو ما لا يتحقق خلال مرضها.

تصوروا أن تبقى هناك كتبا تراثية يتم تعليمها للطلبة تقول أن الزوج غير مسئول عن شراء كفن لزوجته المتوفاة ولو كانت فقيرة. وتخيلوا أن ينقل لنا البعض من فقه الإمام أبى حنيفة أنه يجوز للرجل منع زوجته من إرضاع وليدها من زواج آخر، لأن عملية الإرضاع تؤثر على جمالها، والمفترض أن يحتكر هو التمتع بهذا الجمال.

لقد بات خطاب تحقير النساء السائد فى المجتمع جزءا لا يتجزأ من خطاب دينى مُتطرف ينطلق وينتشر عبر المساجد وبين أصحاب اللحى وجماعات السلفية كل يوم، بعيدا عن المؤسسات الرسمية. وظلت محاولات المؤسسات الرسمية لتفعيل دور المرأة وتحسين أوضاعها قاصرة على مراكز الضوء بعيدا عن الأطراف.

صحيح أن كثير من القوانين واللوائح والنظم فى البلاد العربية تم تعديلها لتصحيح المسار، لكن مازالت المشاركة الفعلية محدودة وشكلية. وهذا خطير، لأنه لا يُمكن للأمم أن تنهض وأحوال نساءها ليست بخير.

والله أعلم

[email protected]